Assalamou Alaykoum jamiâan,
J'ai relevé un entretien avec le Pr. Fasi Fihri, sur l'arabisation, sur les pages du quotidien arabe Al Quds (3/4 juillet 2004), que je joins ci-dessous...à toutes fins utiles
A. Zyate
***
الفاسي الفهري: اللغة العربية في خطر بسبب التوجه نحو ما هو اجنبي.. خلفيات سياسية واقتصادية ومصلحية تغذي الصراع اللغوي في المغرب
2004/07/03
مدير معهد التعريب في الرباط يدق ناقوس الخطر وينتقد تحولات النخبة الثقافية
الرباط ـ القدس العربي ـ من الطاهر الطويل:
دق المفكر المغربي الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري، مدير معهد الدراسات والأبحاث للتعريب في الرباط، ناقوس الخطر حول راهن اللغة العربية، وربط تدهورها بنكران الهوية عامة لفائدة كل ما هو أجنبي، معتبرا أن الوضع ازداد تأزما بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر. كما تحدث عن وجود خلفيات سياسية واقتصادية وراء الصراع اللغوي.
وفي حوار لـ القدس العربي وجه الدكتور الفاسي الفهري نقدا لاذعا للنخبة الثقافية المغربية التي كانت تدافع عن التعريب منذ فجر الاستقلال، ثم تحولت نحو ما أسماه الفرنكفونية المصلحية أو الميركانتيلية . وأوضح أنه لا يعارض من حيث المبدأ الفرنكفونية ذات الصبغة الثقافية واللغوية، ولكنه يرفضها إذا كانت ضد المصالح الوطنية وضد اللغة الوطنية. وفي ما يلي نص الحوار:
باعتباركم تشرفون علي هذه المؤسسة المعرفية الأكاديمية، وترصدون واقع اللغة العربية سواء علي المستوي المحلي أو المستوي العربي والعالمي، كيف تقيمون وضع لغة الضاد الآن في ظل ما يشهده العالم من ثورات معرفية متعددة ومن انفتاح في إطار ما يسمي بالعولمة؟
يكاد يكون الوضع الحالي للغة العربية مهتزا، نتيجة عدد من العوامل الداخلية والخارجية، وإن كانت اللغة العربية تمثل رأسمالا وسيادة وحضارة وهوية، وهي كذلك اقتصاد وتصارع بين عدة لغات من أجل الهيمنة. اللغة العربية، مثل الاسلام وقيم حضارية وثقافية أخري، توجد في وضع مستهدف في الساحة الكونية، عبر الصراعات المذكاة داخليا وخارجيا. لذلك، ينبغي أن ننظر إلي الأوضاع في تفاصيلها وفي عواملها لتقييمها، وكيف يمكن أن نخطو الخطوات الأساسية من أجل تصحيح الوضع.
اللغة العربية هي أولا وقبل كل شيء لغة للتدريس، فماهو وضعها في التعليم؟ هي لها وضع في المشهد السمعي البصري، في الإشهار، في لوحات الاعلانات في الشوارع وعلي المتاجر، في الحياة العامة والمعاملات الإدارية، الخ. هي أيضا لغة اتصال في شبكة الاتصال الدولية والشبكات الاخري للاتصال بين المواطنين، واتصال بين مختلف مكونات وجماعات العالم العربي. هي لغة ذات رمزية خاصة.
يمكن أن نقول إن للغة العربية من حيث المبدأ نقاط قوة كبيرة، إنها رأسمال بعبارة جديدة، وخاصة من حيث عدد المتكلمين بها، هي الآن لغة 300 مليون عربي. كذلك هي لغة رسمية في 22 دولة، وهذا رقم من بين الأرقام المرتفعة في العالم، وهي لغة مرتبطة بقوة اقتصادية لا يستهان بها، موجودة في العالم العربي ومن يتعامل معه. لقد دخلت شبكة الأنترنت، وإن كان ذلك بنسبة غير كافية. إضافة إلي مواطن القوة هذه، هناك أيضا التاريخ العلمي والرمزي، وكون اللغة العربية كانت قبل أقل من ألفية هي إحدي اللغات العلمية العالمية، إن لم تكن أقواها. هناك معطيات متعددة تاريخية وحاضرة تجعل هذه اللغة من بين اللغات القلائل التي لها رأسمال كبير.
صراع علي اكثر من صعيد
ماذا يقع الآن ؟ ماهي المشكلة من حيث المبدأ؟
قد نتحدث عن مشكل المصطلحات، ولكن هذه المشاكل قد تكون مشاكل تقنية، والمشاكل التقنية يحلها التقنيون. والتقنيون موجودون ومتوفرون. المشاكل الأساسية المطروحة لا أولوية فيها للمشاكل التقنية. لو أن المشكل يتعلق فقط بوضع معجم للفيزياء لوضعناه، ولو كان يتعلق بإدخال اللغة العربية بمجال من المجالات الحاسوبية لفعلناه.
المشكلة هي أن في عدد من الدول العربية وفي المغرب خصوصا هناك تدهور لوضع اللغة العربية عاد غير مقبول. علي أن الأمر لا يقتصر علي اللغة وحدها، وإنما ثمة تدهور لكل ما يتعلق بالهوية بصفة عامة. حتي الدارجة العامية أصبحت الآن مهددة بشكل من الاشكال، إذ أصبح ينظر للمتكلم باللغة العربية حتي في صيغتها العامية نظرة ازدراء في الحياة العامة البسيطة. مثلا، عندما تدخل إلي مخبزة وتخاطب بائع أو بائعة خبز بالعربية الدارجة فإنه يرد بالفرنسية، وإذا أعدت الكرّة يبدي سلوكا وكأنه لا يفهمك، ثم خلال الحديث البسيط في المقاهي وداخل العائلات وفي الشوارع، نجد أن اللغة الاجنبية دخلت بقوة، ويُتباهي باستعمالها. فهناك مشكل اللغة العربية الفصيحة، ومشكل ألسن الهوية بصفة أعم. ولهذه الهوية مرتكزات اساسية وفي مقدمتها الإسلام واللغة العربية. وهناك مكونات أخري لهذه الهوية في إطار الألسن العامية أو الشعبية وغيرها. وقد كان الاستعمار دائما يستهدف الاسلام واللغة العربية.
والآن، في هذا الوضع الحضاري الجديد، وخصوصا بعد حوادث الحادي عشر من سبتمبر شهدنا تحولا لافتا للنظر في التعامل مع اللغة العربية، ومع ألسن الهوية بصفة عامة. وهذا التعامل يمكن تلخيصه في أنه نكران لكل ماهو هووي (من الهوية) لفائدة كل ماهو أجنبي. هناك هجرة دائمة إلي كل ماهو أجنبي، مما يكون له انعكاسات وتداعيات خطيرة علي المجتمع وعلي قدرته علي الصمود وعلي الدفاع عن نفسه، واللغة العربية من العناصر الأساسية في هذا الصراع.
فهناك ـ كما قلت ـ انتشار للأجنبية وحتي أحيانا استعمال العامية الفصيحة أو استعمال الأمازيغية ضد الفصيحة. هناك إذكاء للصراع في مستويين: مستوي صراع داخل ألسن الهوية، وصراع بين ألسن الهوية واللغات الأجنبية. هذا الوضع الصراعي للغات هو اختيار قد يكون في صالح بعض طبقات النفوذ السياسي أو الفكري. في حين أن الطبيعي هو وجود بيئة لغوية فيها تنوع وتعدد. المشروع المجتمعي أو الحضاري القائم علي الصراع لن يؤدي إلي سلم وتماسك مجتمعيين وإلي تقدم ونهوض. يمكن أن تكون هناك توافقات، وحتي الاشياء التي هي مبتوتة في الدستور وفي غير الدستور ـ كالميثاق الوطني للتربية والتكوين ـ لا يقع احترامها.
هذه نقطة أولي، تتعلق بخلق صراع في المجتمع حول المسألة اللغوية وتسييس اللغة بشكل من الأشكال لصالح بعض الطبقات.
بالموازاة مع هذا، هناك المصلحة الاقتصادية أو المادية في إذكاء الصراع، عندما ننظر إلي المشهد اللغوي، نجد أنه في هذه الفترة التاريخية القصيرة من الاستقلال إلي الآن، أي حوالي أقل من خمسين سنة، كانت نخبة النفوذ السياسي والنخبة الفكرية عند بداية الاستقلال ترفع شعار التعريب، وهناك شبه إجماع ـ إن لم يكن إجماعا تاما ـ علي التعريب. ثم حتي حينما يقع خلاف في هذا الأمر، تقوم حركة لنخبة فكرية وسياسية للتأكيد ـ هناك وثائـق تثبت هذا حتي حدود السبعينات- علي أن التعريب مبدأ لا رجعة فيه وتدعو إلي مقاومة الاستلاب الأجنبي والهيمنة الأجنبية إلي غير ذلك. حاليا، نجد ضمورا أو تحولا للمعارضة اللغوية ـ إن صح التعبير ـ التي يمكنها أن تقترن كذلك بمعارضة سياسية، علما بأن هذه المعارضة السياسية أصابها هي الأخري ضمور، ونجد تحولا لنفس الطبقات من مواقف أحيانا متطرفة سياسيا وحتي لغويا في مسألة التعريب إلي تطرف آخر جديد، فرنكفوني.
إذن، بالنسبة للصراع بين ألسن الهوية، هناك تركيز علي مناصرة الفرنكفونية في شتي المجالات، في التعليم، في المعاملات الادارية وغيرها. جل الاجتماعات في أبسط المستويات صارت تدور باللغة الفرنسية. مع بداية الاستقلال كان للغة الفرنسية موقع أهم مما هو موجود اليوم، ربما لكون عدد من العاملين في أجهزة الدولة لا يعرفون العربية بما يكفي، وكانت جل الادارات غير معربة، بما فيها العدل الذي عرّب فيما بعد وكذلك التعليم. ومن ثم، كان حضور اللغة الفرنسية أقوي، وهذا لم يضر في شيء، إذ بدا أنه ليس متناقضاً مع مواقف السياسيين للدعوة الي التحرر من هيمنة الفرنسية.
من حيث المبدأ، يوجد للمغاربة ـ بحكم التاريخ ـ استعداد وتطلع الي تعلم الفرنسية وإلي التفاعل مع الثقافة الفرنسية وبعض المرجعيات الفرنسية والفكر التنويري للثقافة الفرنسية، التي ليست كلها إيجابية، لكنها تحمل إيجابيات كثيرة. ليس هناك مشكل في هذا الجانب، ولكن حتي حينما نتحدث عن الفرنكفونية، هل هي بالفعل مبنية علي أساس التعدد والتنوع والاعتراف المتبادل والتعاون ما بين اللغات والثقافات؟ أم إنها تسير في اتجاه واحد لإحلال الفرنسية محل اللغة العربية ونبذها وتدهور وضعها؟ نجد هذا السلوك وما يشبهه في الممارسة، وإن كانت اللغة الفرنسية لا تتوفر علي وضع قانوني.
ولكن، هناك سياسة رسمية موضوعة في الدساتير وفي القوانين وأحيانا في كثير من المنشورات التي تصدر عن الوزارات الأولي المتعاقبة وعن وزارة الوظيفة العمومية وغيرها بصدد مكانة اللغة العربية وضرورة التعامل معها. وهناك ما يمارس علي أرض الواقع وما وقع من تطور خصوصا بعد أحداث 11 ايلول/سبتمبر في التعامل مع اللغة العربية ومع الهوية بصفة عامة. إذ يتعامل مع المسألة اللغوية علي أساس أنها سوق مصلحية ، يعني بنوع من الميركانتيلية . وللمركانتيلية اللغوية تأثير سلبي علي لغات الهوية.
ما تأثير هذه الميركانتيلية علي وضع اللغة العربية؟
لقد جعلت اللغة العربية في مكانة ليست لا تليق بها. لماذا؟ لأن الصراع صار حول كسب بعض الأصوات انطلاقا من الصفقات. ومن ثم، طغت الأشياء المصلحية في المشهد الإعلامي وفي الإشهار. في كثير من الأحيان نجد ارتباط المال بالموقف اللغوي. هذه الفرنكفونية الميركانتيلية لها عدة أشكال وعدة مصادر، منها أن التمويل في كثير من الأحيان يأتي من استثمارات فرنسية، فالفرنسيون يتعاملون مع اللغة علي أساس أنها مرتبطة بالاقتصاد، بخلاف ـ مثلا ـ الأمريكان الذين عندما يدخلون الي البلدان العربية يستعملون اللغة العربية، ولايدخلونها باللغة الانكليزية. فاقتران المصلحة الاقتصادية بالمواقف اللغوية في الثقافة الفرنسية، أو توظيف اللغة من أجل الاقتصاد، وكذلك العكس، جعل كثيرا من المصالح تلبس لباسا لغويا.
لذلك، تحولت الفرنكفونية إلي فرنكفونية ميركانتيلية وليس فرنكفونية ثقافية، أي لغوية كما نريدها.
اللغة وطن ولا خير في من يغيرها
هناك جانب آخر يطرح في هذه المسألة، يتعلق بوضع اللغة الفرنسية في العالم، وبالطبع الصراع والمنافسة مع اللغات الأساسية كالأنكليزية والإسبانية. ويبدو أن هناك تمويلا حقيقيا لمحاولة بث اللغة الفرنسية وتوسيع انتشارها، لاسيما في البلدان التي كانت سابقا ضمن نفوذ الاستعمار الفرنسي؟
هذا صحيح، الفرنكفونية نفسها عندما أعيد تعريفها، في البداية بدأت كمشروع لغوي ثقافي فيما يبدو، وبدأت من المستعمرات الفرنسية القديمة في السنغال وتونس، كاقتراح لتجميع هذه المستعمرات حول فرنسا لغويا وثقافيا. ولكن، بطبيعة لحال، كان وراء هذا المطمح اللغوي الثقافي، حاجة اقتصادية، وربما أحيانا سياسية.
في مؤتمرات أخيرة للفرنكفونية عُرّفت علي أساس أنها ثقافة الاختلاف ومقاومة الهيمنة، وغيرها من الشعارات الجميلة، ضمن ما يسمي باللغات الشريكة (langues partenaires) في المشروع الفرنكفوني، تتقدمها اللغة الفرنسية وهذا هو ما يؤخذ علي الفرنكفونية.
لا اعتراض علي أن يقع هناك اتفاق حول تجمّع علي أفكار تنويرية وحول مبادئ وشراكة. ولكن، إذا كانت هذه الشراكة في اتجاه واحد، فإنها بطبيعة الحال ستضر بمصالح الشريك الآخر. لذلك، نحن من حيث المبدأ لا نرفض الفرنكفونية، ولكن نرفضها إذا كانت ضد المصالح الوطنية، وضد اللغة الوطنية. يجب أن تكون هناك شراكة فعلية، كما أعلن عن ذلك الفرنسيون وغيرهم. ثم إن اللغات التي تدخل ضمن المنطقة الفرنكفونية كلغات شريكة ليست في الوضع نفسه، فاللغة العربية لا تشبه اللغات الإفريقية أو غيرها، التي هي لغات شفوية وغير مكتوبة، وحتي إذا كُتبت فإنها ضعيفة في تراثها المكتوب.
نؤكد أن الفرنكفونية الميركانتيلية لا تهدف بالضرورة إلي أن تفيد من الفرنسية وما يوجد فيها من أفكار تنويرية لصالح المجتمع، وإنما تهدف إلي أشياء مصلحية، فهي محتكرة من لدن طبقة أو نخبة توظفها لصالحها. والغريب أن جزءا من هذه النخبة كان يدافع بتطرف عن التعريب. ثم إن هذه النخبة إذا استمرت في خططها المصلحية فستنسلخ عن الفرنكفونية بمجرد أن تقوم هناك سوق حرة عالمية تهيمن فيها الإنكليزية، لتركب الأنغلوفونية أو غيرها.
إذن، نحن مع التنوع ومع التعدد، ولكننا أيضا مع احترام عناصر الهوية وعناصر الذات الحضارية التي تمكّننا من التحاور بدون مركّبات نقص، وأيضا بدون تبعية.
أول شيء في الانفتاح أن ننفتح علي أنفسنا. فالانسان حينما يرفض أن يتحدث بلغته ويريد أن ينسلخ منها إلي لغة الآخر، كيف يمكن أن يتحدث عن الانفتاح وهو منغلق أصلا ويريد الهجرة؟ إنه موجود في بلده، إلا أن عقله في بلد آخر وفي مرجعيات أخري، ليست هي مرجعيات البيئة التي يعيش فيها.
وأريد أن أشير إلي أن هذه النخبة هي التي تذكي العداء للغة العربية وتحرض عليه وتخرق القوانين حينما تضع الاشهار. وأعطي مثالا في هذا الصدد: الطالب المغربي يجب أن يمتلك ثلاث لغات، اللغة العربية التي هي لغة رسمية ولغتين أجنبيتين، وفي التدريس يمكن أن تكون اللغة الأجنبية هي الغالبة في المادة ويتاح هذا الاختيار للطالب، ويجب أن يكون إلي جانب هذا اللغة العربية كلغة رسمية إجبارية ولغة أجنبية ثانية. هذا البرنامج لم ينفذ، والمسؤولة عن تنفيذه هي وزارة التعليم العالي مع الجامعات. ولا يمكن، في رأيي، أن يتم الإصلاح بدون إصلاح لغوي، لأن للإصلاح اللغوي تبعات، ومن جملتها التفكير في نتائج التصور التعددي للمجتمع وفي نتائج الانفتاح علي الآخر ونتائج التنوير، والتنوير لا يكون فقط بلغة الأجنبي، وإنما يكون بلغة الوطن أولا، ثم بلغة الأجنبي بعد ذلك. وحتي إذا كان هناك من وُلد في بلد أجنبي ودخل إلي وطنه، فيجب أن ينصت إلي المرجعيات التي تحملها لغته. لذلك، من الضروري وجود توازن في التفكير، واعتزاز بالذات والوطن دون المبالغة فيه. وإلا فإننا نصل إلي مجتمع مبني فقط علي المادة أو الميركنتيلية كما قلت.
الحاجة إلي الهويات المُراكِـمة
ما السبيل للمحافظة علي الثابت اللغوي؟ وما دور المؤسسات العربية والمحلية في هذا الاتجاه، سواء أكانت رسمية أو غير رسمية (أكاديمية، حكومية، مجتمع مدني، وسائل الإعلام...)؟
بطبيعة الحال، الجميع مسؤول في هذه القضية: المجتمع، الدولة، الأفراد، الجماعات، وكل الهيئات سياسية كانت أم غير سياسية. لكن المسؤوليات متفاوتة. فمسؤولية الدولة ومسؤولية النخبة الفكرية ـ التي انسلخت عن أدوارها الحقيقية، وصارت تميل نحو الأقوي سياسيا وماليا ـ هي أكبر من أية مسؤولية أخري. ولا بد أن تقوم جمعيات مختلفة بحماية التراث الحضاري والثقافي واللغوي. ولا بد من وجود منتديات للتفكير بهذا الخصوص. ولكن، علي عاتق الدولة في هذه المرحلة النهوض بالبحث العلمي، وخلق قوة فكرية رادعة، تكون في خدمتها وفي خدمة الأحزاب لكي تعطي منتوجها الفكري الذي سيخدم القضايا المختلفة المطروحة، لأن هذه القضايا لم يعد فيها مجال للهواية أو الارتجال، سواء كانت قضايا لغوية أو اجتماعية أو إنسانية.
لكن، مع الأسف، نجد أنه لاتعطي للبحث العلمي الأهمية المطلوبة في بلداننا. في مجال البحث اللغوي، لا بد أن يقوم هناك بحث لغوي مقارن، وهذا شيء نقوم به في معهد التعريب، لرصد أوجه التباين والاختلاف بين اللغة الفصيحة واللهجات العربية. حاليا، نضع في المعهد معجماً للفصيحة والفرنسية والإنكليزية ومختلف العاميات، لتقريب هذه العاميات وحلّ ما يسمي بمشكل الازدواجية. فتقريب المسافات والاختلاف جيد، ولكن التوحد أجود، وهذه مسألة ينبغي أن نركز فيها علي ما أسميته بالهوية المراكِمة، لأن الهوية العربية هي أكبر من هوية ليبيا أو هوية المغرب، والهوية الإسلامية أكبر من هذه الهوية. فنحن بحاجة إلي الهويات المراكمة لبناء المغرب العربي. حتي المشاكل التي يتخبط فيها العالم العربي، ولو أنها تبعث علي اليأس، لا يجب أن تصرفنا إلي منطق اليأس.
نعلم أنه إذا وجدت ظروف مناسبة لتعلم اللغة الاجنبية، فإننا قد نتعلمها خلال بضعة أشهر، وكلنا تعلمنا بعض اللغات الاجنبية في مدة قصيرة وأتقناها. ولكن، إذا لم تكن هناك ظروف مناسبة، فإن هذا قد يتطلب أعواماً ولا نتعلمها. المشكلة ليس مشكلة رفع عدد ساعات تعلم الفرنسية، وإنما خلق البيداغوجية، وتهيئة الظروف البيئية الملائمة لاكتساب هذه اللغة. وبطبيعة الحال، فالطفل الذي يدخل إلي مدرسة يكتسب لغة، وهذه اللغة تصبح وسيلة لاكتساب المعارف، بل إن النمو اللغوي أحيانا ينمو مع اكتساب المعارف، ومع اكتساب كفايات أخري. فإذا عددنا اللغات من أجل اللغات فإن هذا لن يؤدي إلي الإصلاح الفعلي الذي نرومه لمجتمعنا.
لذلك، يجب علي النخبة أن تعطي المثال للآخرين، وذلك بأن تنسلخ عن ميركانتليتها ، وعن تبعيتها للنفوذ السياسي لأن في المجتمعات التي تدعي بالديمقراطية، هناك دور للمعارضة، وهذا الدور ليس بالضرورة هو النقد السلبي. فإذا كان هناك مجتمع بخطاب واحد (وقد لا يكون موحداً فعلاً، بل موحدا بطريقة زائفة) فهذا لن يقدم المجتمع. فأول ما ينبغي أن نقوم به في إصلاح تعليمنا هو العناية بالطفل. يجب أن يكون متعلما، أي أن يتعلم الأدوات ليستطيع التفكير بنفسه وبناء أفكاره. إذا كانت النخبة لا تستطيع بناء أفكار جديدة، وإعطاء حلول جديدة للمشاكل الطارئة فهذه ليست نخبة، وإنما تحولت إلي أطر (كوادر) لها شهادات ولها ربما مؤلفات، ولكنها تجري فقط وراء الكسب المادي، وليس وراء السعي إلي تحويل مجتمعها إلي مجتمع للفكر وللتنوير، ولتهييئه لكي يسهم في الحضارة الانسانية وفي الاقتصاد وفي مجتمع المعلومات وكذلك في اقتصاد المعرفة، لأن اقتصاد المعرفة أيضا مبني علي الابداع الفكري والحلول الخلاقة.
Créez gratuitement votre Yahoo! Mail avec 100 Mo de stockage !
Créez votre Yahoo! Mail
Dialoguez en direct avec vos amis grâce à Yahoo! Messenger !