الكلام يشبه النحل فيه العسل وفيه الأبر
مثل سويسري
و أنا أدق من داخل بلادي هذا الجرس حول ما أسميه جزافيا بـ" النموذج الإسباني " ، لا بد و أن أعترف منذ البداية بأني من عشاق إسبانيا . و لا بد و أن أقر بأني لم أتعلق بإسبانيا لأن التاريخ نقش في وجداني أنها " الفردوس المفقود" والأرض التي ما كان بإمكانها أن تفلح أبدا لولا النقلة / القيمة المضافة التي أدى إليها تواجد العبقرية العربية الإسلامية لأسلافنا الأمجاد فيها لعدة قرون خلت . على العكس من ذلك ، أنا أحببت هذا البلد الإيبيري من النظرة الأولى . دخلته أول مرة ، و أنا ما أزال شابا مشاغبا ضمن حركة التلاميذ، عام 1972 ، و ذلك عبر مدينة العيون ، مرورا بالجزر الخالدات ، وصولا إلى مدينة الجزيرة الخضراء . لم تثرن جزيرة لاس بالماس البركانية الجذابة جدا رغم إغراءاتها ، فهي منطقة حرة والجعة و السجائر و" الباهية" ومختلف الوجبات السمكية الأخرى غير مكلفة و الأقمشة ، و غيرها ، الجلدية أو الصوفية أو القطنية يمكن اقتناؤها بالميزان ، و فيها وقتها كانت تستقر مئات من الأمريكيات ، الشقراوات ، العجائز ، و لا تتوقفن عن تحرشاتهن بالفقراء من الذكور الإسبانيين أو المهاجرين الصحراويين أو غيرهم من الأفارقة و الفلبيين، سواء داخل الفنادق أو الحانات أو المراقص أو في الشارع الرئيسي والممرات الصخرية المقفرة أو على الشاطئ أو بين الصيادين ، تارة بالغمز و أخرى بالتحية متبوعة بالكشف عما يكاد لا يكون قد بقي مستورا من أجسادهن و غيرها بإظهار أوراق الدولار. لكن إحساسي بالسعادة لم يبلغ ذروته بالتمام إلا حين نزلت ذات يوم من أيام شهر غشت من السنة المذكورة أرض إسبانيا التي يفصلنا عنها ماء البحر المتوسط . يمكنني أن أؤكد الآن بأن فرحتي آنذاك كانت شبيهة بفرحة الأطفال القديمة بالعطلة المدرسية ، بل لا أجد غضاضة في أن أصرح اليوم بأني ما أزال لا أفرح مثل تلك الفرحة إلا حين أغادر، منذها ، سنويا المغرب في اتجاهها و خصوصا عند العبور النهائي إليها . و لا أنكر أن إيماني في تلك الفترة بالعنف الثوري كآلية وحيدة لإحداث التغيير الجذري في بلدي كما في باقي أنحاء العالم كان يقيني من الشعور بالتقزز من الضربات التخريبية أو القاتلة التي كان مسلحو إيتا يوجهونها بين الفينة و الأخرى إلى رموز الدولة الإسبانية بدعوى أنها رموز للديكتاتورية ، و لذلك لم يكن يساورني أدنى إحساس بالقهر حين كنت أقف أكثر من ساعتين خلف طابور من المسافرين في محطة قطار أو محطة طرقية في انتظار نوبة التفتيش المباشر أو الإلكتروني لحقيبتي الصغيرة غير الممتلئة ، بل علمتني تجربة معاينتي لتفجير جناح لحفظ الأمتعة في محطة للقطار بالعاصمة مدريد أن أحس بالأمان حتى عندما تلتف حولي سيارة للحرس المدني و يشهر في وجهي أفراده رشاشاتهم مطالبين مني الانحناء على سقيفة السيارة أو الوقوف وجها إلى حائط في حالة وجوده بالقرب منا . ذات مرة قلت لهم إنكم تنكلون بي هكذا فقط لأن لون بشرتي أكثر قتامة من لون بشرتكم، لكن أحدهم فاجأني ، و ذلك بعد أن انتهى من إجراء مكالمة لاسلكية اختطفت منها عبارة"بلانكو" ، بالقول :" نحن نعتذر لكم يا سيدي ، و لكننا سنكون مجبرين على مرافقتكم إلى المخفر في حالة ما إذا كنتم تنوون تسجيل تظلم ضدنا " . و لأن العبارة وحدها أبهجتني كثيرا ، طلبت منهم أن يدلوني على أقرب مخيم للشباب ، فازداد ابتهاجي لأنهم بادروا بنقلي إلى حيث طلبت ، و أوصووا بي إدارة المخيم خيرا . لا أنكر أيضا أنه بقدر ما أوجعتني عملية " قطارات الموت " الإرهابية التي وقعت في مدريد يوم 11 مارس 2004 بقدر ما ساءني جدا أن حضورنا أمام القنصلية الإسبانية بالدار البيضاء من أجل إعلان تضامننا مع الشعب الإسباني و تقديم التعازي لأسر ضحاياه ، من جهة، و من أجل الاحتفال مع اشتراكييه بنجاحهم في العودة إلى الحكم و إعلانهم عن نيتهم فك ارتباط بلادهم عسكريا مع التحالف الأمريكي العدواني في العراق ، من جهة أخرى ، كان ضعيفا . ثلاثة لافتات و بضعة شعارات مكتوبة وعدد قليل من ممثلي الأحزاب السياسية و الجمعيات غير الحكومية، و أفراد من العموم العابرين ، و ذلك إلى الحد الذي سمح بسهولة لحاضرين أن يتبينوا أحد المتقاعدين من العمداء الإقليميين لشرطة الدار البيضاء المذكورين ضمن لائحة الجلادين في المغرب و هو يتسلل داخل حلقة المتضامنين حاملا شمعة ، قال عنه إبانها أحد الأصدقاء " إن المسكين يعاني من المراهقة النضالية المتأخرة ، و لا شك أنه يأمل في" التمتع " بلحظة اعتقال أو بضربة من أحد أفراد قوات التدخل السريع ، ليتم تسجيله ضمن قائمة الضحايا فتتساوى الخواطر و يهنأ باله " . أليس المغرب هو اليوم في أشد الحاجة إلى تلطيف الأجواء مع الجار الشمالي و تمتين أواصر التقارب و التعاون المثمر معه ؟ ألا يحتاج مواطنونا المهاجرون المسالمون المقيمون في إسبانيا إلى أن نؤازرهم بتكثيف حملات التواصل مع المجتمع الإسباني بهدف إعادة تشكيل الصورة الحقيقية للمغربي لدى مكوناته ؟ ألا يحتاج هؤلاء المواطنون المعدودون بمئات الآلاف إلى تعبئة إعلامية بغرض إثبات أن المغربي ليس حقيقة " مورو " بالمعنى القدحي ، وليس " حراكا " أو " مهرب مخدرات" و فوق ذلك ليس " إرهابيا " ، و أن السياسات الداخلية المحلية و الجهوية و دواليبها السرية و انعكاساتها الدولية هي التي تتحمل أكبر نصيب في مثل هذه الفظائع الهمجية ؟ يجب ألا يفوتني ذكر ما يلي : في تلك الأمسية التي كنا فيها ثلة أمام القنصلية الإسبانية علق صديق آخر قائلا ، إن مخزننا لا يوظف الإنزال إلا حيث لا يجب أن يوظف . و أردف آخر ، لو نمت سلطاتنا المحلية قليلا من الوازع الوطني داخل مخيلتها الأمنية و وفرت للناس وسائل النقل من الأحياء الشعبية لأبرز امتلاء زنقة الجزائر بالمتضامنين أننا بالفعل شعب متمدن تماما كما هو الحال الذي يبديه الشعب الإسباني من خلا ل خرجاته و وقفاته المتكررة .لماذا كل هذا الهيام بإسبانيا يا مصطفى ؟ إنه نفس السؤال الذي لا أتوقف عن طرحه أنا أيضا على نفسي . و ما أنا متأكد منه هو أن إسبانيا التي استقبلنا ما يزيد عن 50000 من مواطنيها الفارين من عنف الحرب الأهلية ، ابتداء من 1936،اجتازت بعد ذلك كل مآسيها بنعومة و سلاسة لم نعرها نحن انتباها في بلدنا الطيب الجميل . لن تتاح لي في هذا الحيز الضيق أن أتحدث عن ميزات كل من المراحل التي أؤرخ بها للطفرة الإسبانية كما رصدتها ، أقصد الفترة الممتدة من 1972 إلى 1975 ، و الفترة من 1976 إلى 1978 ، و الفترة من 1979 إلى الآن . لكن و دفعة واحدة يمكنني أن أقول إن التطور المتصاعد الذي حققته إسبانيا لم يأت لا نتيجة الضغط الذي استمر الجناح العسكري لمنظمة "إيتا " في القيام به ، و لا بسبب من " الإرادة السياسية " لأي واحد من الفاعلين السياسيين فيها ، سواء كان هو الجنرال فرانكو أو الملك أو اليسار أو اليمين أو الجيش أو القوميات الجهوية أو كان هو الخارج. فهؤلاء جميعا إنما كانوا في الواقع الرجال المناسبين في اللحظة التاريخية المناسبة . و أما اللحظة المناسبة فهي أن إسبانيا لم تتوقف أبدا عن النقاش ، و النقاش في إسبانيا له قواعده و منها أنه يراكم الخلاصات و يتابع تنميتها . طرح فكرة ما للنقاش في إسبانيا لا يبدأه فرد ما فتتم مجابهته بالصمت المريب ، ثم بعد حين يتم السطو على الفكرة نفسها من قبل فرد آخر فيطرحها في محاولة للزعم بأنه مصدرها الأول ،،، و هكذا دواليك . لن أنس أبدا أني في السنة إياها ، أي سنة 1972 ، حضرت في أوائل شهر شتنبر حلقة للتداول الطلابي حول دستور قادس ، وهو دستور رغم كونه يعود إلى عام 1812 فقد كان حاضرا رفقة قانون الدولة لسنة 1952 خلال النقاشات الواسعة التي دارت في الفترة بين 1975 و 1978. و في السنة الموالية حضرت حلقة أخرى توضح لي منها أن الشعب الإسباني كان يرفع صوته مطالبا بدستور لا يخفي فساد السلطة وراء التسمية الشكلية أو المجازية لوثيقة معينة بالدستور و إنما تنطبق فيه الصياغة الشكلية مع مضمون الفكرة الدستورية ، دستور لا يقوم و حسب على الصياغة الإنشائية للقانون الدستوري و إنما ينبني على الصياغة الموضوعية . و في إسبانيا كذلك ، لا يأخذ النقاش بعدا مونولوجيا مخادعا حيث تكتفي المجموعات بالاتفاق داخليا حول قضايا بعينها و تخرج إلى السوق السياسي قضايا مغايرة و لا أهمية لها، وإنما يكون مفتوحا ، تباعديا يدعمه الإعلام بشتى وسائله و يفسح المجال أمام إبداعات الآخرين و مساهماتهم الابتكارية فيه ، و لاشك أن ذلك كان عاملا أساسيا أمام عدم انطلاء كذبة إلصاق تهمة التخطيط لجريمة " قطارات الموت " و تنفيذها لمنظمة " إيتا ". و بالإضافة إلى ذلك ففي إسبانيا لا يوجد خطابان سياسيان بأداتين مختلفتين أحدهما يعتمد لغة فطرية و الآخر ينطق لغة متعالية . في هذا البلد يختلف الناس في الرؤى و الأفكار و لكن الجميع يفهم الجميع . في كلام الخطيب توجد الحياة اليومية شاهدة بقوة ، وفي مسمع المواطنين تنهض معايير التمحيص و التدقيق وفي أحاديثهم و ردودهم تتبلور السياسة و الفلسفة و الفن و الموسيقى و المعيش الظرفي و هي تصدح مع الألفاظ المنطوقة . ما حدث في إسبانيا يوم 11 مارس 2004 كان شبيها بما حدث في الدار البيضاء يوم 16 ماي من سنة 2003، لكنهم في إسبانيا لم يؤجلوا الانتخابات ، و لا أسرعوا بتمرير قانون جديد ، و لا أوقفوا البطولات الرياضية الوطنية ، و القاضي الذي تكلف بالتحقيق كان عليه إما أن يتهم الموقوفين من المشبوهين أو يعجل بإطلاق سراحهم .أخيرا ، من الأكيد أن هذا ليس وحده هو سبب عشقي لإسبانيا و إلا كان شيئا آخر غير العشق .• المصطفى صوليح El Mostafa Soulaih ، كاتب ، باحث ، و مؤطر ، في مجال التربية على حقوق الإنسان و المواطنة – من أطر اللجنة العربية لحقوق الإنسان ( باريس ) .elmostafa.soulaih@...
المقالات المنشورة تعبر فقط عن رأي صاحبها ولا تتحمل الصحيفة المسئولية الناشئة عنها.
نظراً لاعتقال بعض النشطاء السياسيين البحرينيين ، فاننا ندعو "السلطة" أولاً ، وكافة المعنيين من الشعب ، بضرورة ضبط النفس وتوخي الحذر وعدم الانفلات ، وايثار المصلحة العامة وتجنب العنف واطفاء الفتنة..
للتواصل المستمر ومتابعة آخر مقالات الصحيفة من خلال النشرة الالكترونية
محاكمة فاضحي الفساد بمحكمة الاستئناف بتطوانبقلم عزيز الهلاليالأربعاء 7 فبراير 2007
الانترنيت بالمؤسسات التعليمية.. وامصيبتاه؟بقلم محمد المقدمالأربعاء 7 فبراير 2007
الماء.. بترول الألفية القادمةبقلم عبدالسلام أندلوسيالأربعاء 7 فبراير 2007
الدمية " تيك تاك " في اسرائيلبقلم فاتح الخطيب - هولنداالأربعاء 7 فبراير 2007
الشاعرة المغربية حكيمة الشاوي، أو الأمل الذي يصيرمستهدفا من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي .....12بقلم محمد الحنفيالثلاثاء 6 فبراير 2007
التربية على المواطنة تبدأ من الأعلىبقلم محمد الصدوقيالثلاثاء 6 فبراير 2007
مصطفى العقاد. مات صريعا على أيدى الخارجين من كهوف الغباء والحقد والجنونبقلم ابراهيم جاداللهالثلاثاء 6 فبراير 2007
من أجل مقاربة جديدة لتدريس الأدب العربيبقلم د. جميل حمداويالثلاثاء 6 فبراير 2007
الانترنيت..ضرورة اخصاب الوعيبقلم د. فائزة السباعيالثلاثاء 6 فبراير 2007
الحرية والمسؤولية الثقافية كارل بوبربقلم .. ترجمة قويدر عكريالثلاثاء 6 فبراير 2007
كرامة لا مكرمة !بقلم معاذ المشاري - الوسطالأحد 4 فبراير 2007
لا حرمة للدم الفلسطينيبقلم عبدالباري عطوان - القدس العربيالأحد 4 فبراير 2007
الديمقراطية في العالم العربي من الفكر إلى الممارسةبقلم أحمد زكارنهالأحد 4 فبراير 2007
المواطنة و الحياة المدرسية ؛ أي علاقة و أية أدوار ؟ *بقلم المصطفى صوليح - الدار البيضاء - المغربالأحد 4 فبراير 2007
الكونفدرالية الديموقراطية للشغل بين المحافظة على التقدمية، واستهداف اليمين المتطرف.....3بقلم محمد الحنفيالأحد 4 فبراير 2007
دحض للمزاعم اليهودية حقها التوراتي في فلسطينبقلم عبد الكريم عليان ـ غزة ـ فلسطينالأحد 4 فبراير 2007
دفاعا عن تعريب عناوين الانترنيتبقلم عزيز باكوشالأحد 4 فبراير 2007
نقابة مفتشي التعليم بخير - تابعبقلم اقويدر ختيريالسبت 3 فبراير 2007
ليتوقف انتهاك الحرمات و الاعتداءات على المؤسساتبقلم رامي علي - غزة - فلسطينالسبت 3 فبراير 2007
الشاعرة المغربية حكيمة الشاوي، أو الأمل الذي يصيرمستهدفا من قبل مؤدلجي الدين الإسلامي ...11بقلم محمد الحنفيالسبت 3 فبراير 2007
لماجدا لمرتقى فى الوجع المباغتبقلم ابراهيم جاداللهالسبت 3 فبراير 2007
هيئة علماء المسلمين تكذب رواية الحكومة بشأن مجزرة النجفبقلم احمد الجيديالسبت 3 فبراير 2007
الحرب الأهلية في لبنان : الكل خاسربقلم جلال فرحي - كاتب مغربيالسبت 3 فبراير 2007
التربية والتكوين بجهة فاس بولمان والانتظارات الثلاثبقلم عزيز باكوشالسبت 3 فبراير 2007
دفاعا عن الدكتور محمد قاسمي والدرس البيبليوغرافيبقلم د.جميل حمداويالسبت 3 فبراير 2007
تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتنة الاقتتال بين المسلمينبقلم محمد شركي - المغربالسبت 3 فبراير 2007
هموم ملك ومستقبل وطنبقلم د.أحمد ابو مطرالسبت 3 فبراير 2007
الكونفدرالية الديموقراطية للشغل بين المحافظة على التقدمية، واستهداف اليمين المتطرف.....2بقلم محمد الحنفيالسبت 3 فبراير 2007
حضور ميتافيزيقا اسبينوزا في فيزياء أينشتاينبقلم زهير الخويلديالسبت 3 فبراير 2007
هيرمان ميلقيل - والأرواح التى كانت مصدر عذابه وإلهامه أيضابقلم ابراهيم جاداللهالخميس 1 فبراير 2007